أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
273
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
المائدة « 1 » . قال الزمخشري « فإن قلت : هلا قيل : ما وعدكم ربكم ، كما قيل : « ما وَعَدَنا رَبُّنا » ؟ قلت : حذف ذلك تخفيفا ، لدلالة « وَعَدَنا » عليه . ولقائل أن يقول : أطلق ليتناول كلّ ما وعد اللّه من البعث والحساب والعقاب والثواب وسائر أحوال القيامة ، لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع ، ولأن الموعود كله مما ساءهم ، وما نعيم أهل الجنة إلا عذاب لهم ، فأطلق لذلك » . قلت : قوله : « ولقائل . . . إلى آخره » هذا الجواب لا يطابق سؤاله ، لأن المدعي حذف المفعول الأول ، وهو ضمير المخاطبين ، والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو : الحساب والعقاب وسائر الأحوال ، فهذا إنما يناسب لو سئل عن حذف المفعول الثاني ، لا المفعول الأول . و « نَعَمْ » حرف جواب كأجل وإي وجير وبلى . ونقيضتها « لا » . و « نَعَمْ » تكون لتصديق الإخبار ، أو إعلام استخبار ، أو وعد طالب . وقد يجاب بها النفي المقرون باستفهام ، وهو قليل جدا ، كقوله : 2214 - أليس اللّيل يجمع أمّ عمرو * وإيّانا ، فذاك بنا تداني ؟ نعم ، وترى الهلال كما أراه * ويعلوها النّهار كما علاني « 2 » فأجاب قوله : « أليس » ب « نعم » ، وكان من حقه أن يقول : « بلى » ، ولذلك يروى عن ابن عباس في قوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا : بَلى « 3 » لو قالوا : نعم لكفروا وفيه بحث يأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا . وتكسر عينها ، وبها قرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب ، وهي لغة كنانة ، وطعن أبو حاتم عليها ، وقال : « ليس الكسر بمعروف » واحتج الكسائي لقراءته بما يحكى عن عمر بن الخطاب أنه سأل قوما ، فقالوا : نعم ، بالفتح ، فقال : « أمّا النّعم فالإبل ، فقولوا : نعم » . أي بالكسر . قال أبو عبيد : « ولم نر العرب يعرفون ما رووه عن عمر ، ونراه مولدا » . قلت : هذا طعن في المتواتر ، فلا يقبل . وتبدل عينها حاء ، وهي لغة فاشية ، كما تبدل حاء « حتّى » عينا . وقوله : « بَيْنَهُمْ » يجوز أن يكون منصوبا ب « أذّن » ، أو ب « مُؤَذِّنٌ » ، وأن يكون متعلقا بمحذوف ، على أنه صفة ل « مُؤَذِّنٌ » . قال مكي - عند إجازته هذا الوجه - : « ولكن لا يعمل « أَنْ » في « مُؤَذِّنٌ » ، إذ قد نعته - يعني أن قوله : « أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ » لا يجوز أن تكون معمولة ل « مُؤَذِّنٌ » ، لأنه موصوف ، واسم الفاعل متى وصف لم يعمل . قلت : هذا يوهم أنا إذا لم نجعل « بَيْنَهُمْ » نعتا ل « مُؤَذِّنٌ » جاز أن يعمل في « أَنْ » ، وليس الأمر كذلك ، لأنك لو قلت : « ضرب ضارب زيدا » ، فإنك تنصب « زيدا » ب « ضرب » ، لا ب « ضارب » ، لكني قد رأيت الواحدي أجاز ما أجاز مكي من كون « مُؤَذِّنٌ » عاملا في « أَنْ » ، وإذا وصفته امتنع ذلك ، وفيه ما تقدم ، وهو حسن . و « أَنْ » يجوز أن تكون المفسّرة ، وأن تكون المخففة ، والجملة الإسمية بعدها الخبر ، فلا حاجة هنا لفاصل . وقرأ الأخوان وابن عامر والبزي : « أَنْ » بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب « اللعنة » على أنها اسمها ، و « عَلَى الظَّالِمِينَ » خبرها ، وكذلك في النور أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ « 4 » خفّف « أَنْ » ورفع « اللعنة » نافع وحده والباقون بالتشديد والنصب . وقرأ عصمة عن الأعمش « إنّ » بالكسر والتشديد ، وذلك إمّا على إضمار القول عند البصريين ، وإمّا على إجراء النداء مجرى القول عند الكوفيين . وقوله : الَّذِينَ .
--> ( 1 ) آية ( 71 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة الأعراف ، آية ( 172 ) . ( 4 ) آية ( 7 ) .